أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
انتقل السياق من القسم إلى الاحتجاج بالوقائع؛ والخطاب للنبي ﷺ ويدخل فيه كل من يصلح للخطاب. والمعنى: ألم تعلم يا محمد ــ علماً كالرؤية في يقينه ــ كيف صنع ربك بقوم عاد حين كذبوا هوداً عليه السلام واستكبروا في الأرض بغير الحق؟ فأهلكهم بالريح الصرصر العاتية. وعاد قبيلة من العرب البائدة كانت مساكنهم بالأحقاف بين اليمن وعُمان وحضرموت، وقد ذكر الله خبرهم في مواضع من كتابه؛ منها قوله: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}، وقوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد عاد الأولى قوم هود، وأنهم كانوا أشد الناس أجساماً وأعظمهم بطشاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا مبتدأ المقطع الثاني من السورة، وهو الاحتجاج بمصارع الأمم. ووجه اتصاله بما قبله: أن القسم بالأزمنة المتحولة قرر أن الثبات ليس من طبيعة شيء؛ فجاء التاريخ شاهداً عملياً على هذه القاعدة؛ إذ لا شيء أدل على زوال القوة من قوة زالت بالفعل. ثم إن ترتيب الأمم الثلاث في هذا المقطع جاء على نسق محكم: عاد وهي أقدمها، ثم ثمود، ثم فرعون؛ فسار على الترتيب الزمني، وسار معه ترتيب أنواع القوة: قوة الأبدان، ثم قوة الصنعة، ثم قوة الملك. ومناسبة ذلك لقريش ظاهرة؛ فقد كانوا يمرون على ديار هؤلاء في رحلاتهم ويعرفون أخبارهم.