الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ
لما عدّد الله هذه الأمم الثلاث جمعها في وصف واحد يبيّن علة إهلاكها؛ والمعنى: الذين تجاوزوا الحد في الكفر والظلم والاستعلاء في البلاد التي سكنوها. والطغيان عند أئمة التفسير: مجاوزة الحد في المعصية والبغي والاستكبار. وذهب المفسرون إلى أن هذا الوصف عائد على عاد وثمود وفرعون جميعاً؛ فهو جامع لهم بعد التفصيل. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآيات أن جمعهم في هذا الوصف بعد تفريق أسمائهم يفيد أن العلة واحدة وإن اختلفت الصور، وأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفصل المقطع كله؛ فهي التي تحوّل السرد التاريخي إلى قاعدة كلية. فبعد أن ذُكرت الأمم بأسمائها وأوصافها المتباينة، جُمعت تحت وصف واحد؛ وهذا الصنيع يُخرج الخبر من دائرة الحكاية الخاصة إلى دائرة السنة العامة. ومن دقة النظم أن لفظ {الْبِلَادِ} تكرر هنا بعد وروده في وصف عاد: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}؛ فالبلاد التي شهدت تفردهم هي البلاد التي شهدت طغيانهم؛ وفي التكرار ربط محكم بين أول المقطع وآخره. ثم إن هذه الآية تمهد لما بعدها مباشرة: {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}؛ إذ الطغيان أصل والفساد فرعه.