يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
بعد أشد آيات الوعيد جاء أرقّ نداء في السورة. والمعنى: يا أيتها النفس التي اطمأنت بذكر الله وسكنت إلى وعده وأيقنت بلقائه، فلم يزعزعها شك ولم يقلقها طمع. وذهب المفسرون في تفسير الاطمئنان إلى وجوه متقاربة: قيل هي المطمئنة بالإيمان الموقنة بأن الله ربها؛ وقيل المطمئنة إلى ما وعد الله فلا تشك فيه؛ وقيل الساكنة الراضية بقضاء الله. وأصل هذه المعاني كلها ما بيّنه القرآن نفسه في قوله: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. واختلف أهل التفسير في وقت هذا النداء: فقيل عند الموت، وقيل عند البعث من القبر، وقيل عند دخول الجنة؛ ولا مانع من وقوعه في هذه المواطن كلها. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن وصف النفس بالاطمئنان جاء في مقابلة ما تقدم في السورة من اضطراب نفس الإنسان بين قوله «أكرمن» و«أهانن».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح المقطع الأخير، وهو خاتمة السورة وجوابها العملي. وموقعها من النظم بديع؛ إذ جاءت بلا فاصل بعد أشد آيات الوعيد؛ فانتقل السامع من صورة الموثق المعذب إلى صورة المنادى المكرَّم في لحظة. وهذا الانتقال المباغت أبلغ في تحريك القلب من إطالة كل من المشهدين على حدة. ثم إن هذه الآية تجيب على سؤال السورة الأول: من المُكرم حقاً؟ فقد ادّعى الإنسان الكرامة بالمال فرُدّ عليه؛ وها هي الكرامة الحقيقية تُمنح لا لمن أوتي مالاً بل لمن اطمأن قلبه. وتغيرت الفاصلة هنا من الميم المشددة القارعة إلى التاء والياء اللينتين؛ فرقّ الإيقاع مع رقة المقام.