وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ
هذا النموذج الثالث؛ وفرعون لقب لملوك مصر في ذلك الزمان كما أن قيصر لقب لملوك الروم وكسرى لملوك الفرس؛ والمراد هنا فرعون موسى عليه السلام. وللسلف في {ذِي الْأَوْتَادِ} أقوال: أشهرها أن المراد الجنود والجموع التي كانت تشد ملكه وتثبته كما تثبت الأوتاد البناء والخيمة؛ وهو قول جمهور المفسرين. وقيل: كانت له أوتاد يعذب بها من غضب عليه؛ يمدّ الرجل بين أربعة أوتاد ويتركه في الشمس حتى يموت. وقيل: المراد الأبنية العظيمة الثابتة التي بناها؛ فسُميت أوتاداً لثباتها ورسوخها. وقيل: المراد ملكه الثابت المستقر. والأقوال متقاربة ترجع كلها إلى معنى الثبات والتمكن. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن حمله على الجنود والجموع أظهر؛ لأن العرب تسمي الأشراف والقادة أوتاداً للأرض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتم تعداد الطغاة بفرعون؛ وهو أنسب ما يُختم به؛ لأن طغيانه بلغ حداً لم يبلغه غيره حتى قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}؛ ولأن قصته أشهر القصص عند أهل الكتاب والعرب جميعاً. وقد جاء ترتيب الثلاثة على تصاعد في نوع القوة: قوة البدن في عاد، ثم قوة الصنعة في ثمود، ثم قوة الملك والسلطان في فرعون؛ وهي أخطر الثلاث؛ لأن صاحب الملك يملك تسخير الأبدان والصنائع جميعاً. ثم إن الوصف بـ{ذِي الْأَوْتَادِ} يناسب ما قبله من الأوصاف؛ فعاد ذات العماد، وفرعون ذو الأوتاد؛ وكلاهما وصف مأخوذ من أدوات التثبيت؛ فاجتمع في المقطع أن أعظم أسباب الثبات في الأرض لم تثبت أصحابها.