فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
انتقل السياق من محاسبة الأمم إلى كشف ما في نفس الإنسان من خلل في الميزان. والمعنى: فأما الإنسان في طبعه إذا اختبره ربه بالنعمة فوسّع عليه في الرزق وأكرمه بالجاه والمال والولد، فإنه يظن أن ذلك لكرامته على الله واستحقاقه له، فيقول: ربي أكرمني. وذهب المفسرون إلى أن «الإنسان» هنا مراد به الجنس باعتبار ما غلب على أكثر أفراده، وليس مراداً به كل فرد؛ فإن المؤمن الموقن يعلم أن العطاء ابتلاء. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن الابتلاء يقع بالخير والشر جميعاً كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}، وأن جعل الإنسان النعمة دليل كرامة خطأ في الاستدلال لا في الوصف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم من الخارج إلى الداخل، ومن التاريخ إلى النفس؛ وهو انتقال محكم؛ إذ لا يكفي أن يعلم المرء أن الطغاة أُهلكوا، بل ينبغي أن يعرف الجذر النفسي الذي ينبت منه الطغيان. وهذا الجذر هو الخطأ في قراءة العطاء والمنع: فمن ظن أن المال دليل الكرامة عند الله، أورثه ذلك استعلاءً على الخلق واستغناءً عن الشرع؛ وهذا أول الطغيان. فالمقطع الثالث بيان لعلة ما وقع في المقطع الثاني. ثم إن اقتران هذا الموضع بذكر فرعون قبله له وجه لطيف؛ فقد كان فرعون أظهر من احتج بالمال والملك: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي}.