إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ
هذا بيان وتعيين لعاد المذكورة قبله. وللسلف في {إِرَمَ} أقوال: أشهرها أنها اسم للقبيلة نفسها؛ فعاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فنُسبوا إلى جدهم تمييزاً لهم عن عاد الأخرى؛ فالمعنى: بعاد إرمَ، أي عاد التي هي من ولد إرم. وقيل: إرم اسم بلدهم ومدينتهم التي كانوا يسكنونها. وقيل: هو اسم جدهم. والقول الأول هو المشهور عند جمهور المفسرين. وأما {ذَاتِ الْعِمَادِ} فقيل: العماد الأعمدة التي كانوا يبنون عليها قصورهم وبنيانهم الرفيع؛ وقيل: العماد أعمدة الخيام؛ لأنهم كانوا أهل عمود ينتقلون في البوادي طلباً للكلأ؛ وقيل: المراد طول قاماتهم وشدة أبدانهم؛ فشُبّهت أجسامهم بالأعمدة. وذهب طائفة إلى الجمع بين هذه الوجوه؛ إذ لا تعارض بين طول البنيان وطول الأبدان. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية جملة هذه الأقوال، ورجّح جماعة منها ما يرجع إلى وصفهم بالقوة والبنيان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا البيان بعد الإجمال في قوله {بِعَادٍ}؛ وهو أسلوب محكم في التقرير: يُذكر الاسم مجملاً ليستحضره السامع، ثم يُفصّل بما يكشف عن سبب الإهلاك. والوصف بـ{ذَاتِ الْعِمَادِ} ليس وصف مدح في هذا السياق، بل هو تمهيد للحجة؛ فذكر ما كانوا يفتخرون به من البنيان والقوة ليقال بعد ذلك: فصبّ عليهم ربك سوط عذاب. وهذا من أبلغ أساليب الرد: أن تُذكر عدة الخصم أولاً ثم يُذكر مصيره؛ ليعلم أن العدة لم تنفع. ثم إن الوصف يمهد للآية التالية مباشرة: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}.