فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ
هذا بيان لثمرة الطغيان ونتيجته؛ والمعنى: فأكثروا في تلك البلاد الفساد بالكفر والظلم وسفك الدماء وإتلاف الحرث والنسل والتعدي على العباد. والفساد عند أهل التفسير: خروج الشيء عن حال الاعتدال والصلاح الذي وُضع له؛ فيشمل فساد الاعتقاد بالشرك، وفساد العمل بالمعاصي، وفساد المعاملة بالظلم. وقد جمع القرآن أنواع فساد فرعون في مواضع: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ}. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن التعبير بـ«أكثروا» يفيد أن الفساد صار عندهم هو الغالب على أحوالهم لا الطارئ عليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ربطت الفاء بين الطغيان والفساد ربط السبب بالمسبَّب؛ فتقرر بذلك قانون دقيق: أن الطغيان في النفس يستحيل أن يبقى محبوساً فيها، بل يفيض على الأرض فساداً. وهذا الترتيب هو الذي مهّد لاستحقاق العقوبة في الآية التالية: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}؛ فجاءت ثلاث آيات متعاقبة بالفاء تصنع سلسلة محكمة: طغيان، فإكثار فساد، فصبّ عذاب. ومن لطائف النظم أن العقوبة لم تُذكر عقب الطغيان مباشرة، بل بعد ذكر الفساد؛ إشعاراً بأن المؤاخذة العامة تشتد حين يتعدى شر الطاغي إلى الخلق.