وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا
هذه العلامة الرابعة وهي الجذر الجامع لما قبلها؛ والمعنى: وتحبون المال حباً كثيراً شديداً مفرطاً يستولي على قلوبكم فيحملكم على منع الحق وأخذ ما ليس لكم. و{جَمًّا} في اللسان: الكثير المجتمع؛ من «جمّ الماء في الحوض» إذا اجتمع وكثر. وذهب المفسرون إلى أن المذموم هو الحب المفرط الذي يزاحم حب الله وطاعته، لا أصل الميل إلى المال؛ فإنه مركوز في الطباع. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن هذه الخصال الأربع كلها متولدة عن هذا الحب الجمّ؛ فهو الأصل وهي الفروع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت العلامات الأربع بهذه؛ وهو ختام محكم؛ لأنها ليست علامة رابعة مستقلة بل هي الأصل الذي انبنت عليه الثلاث قبلها. فمن أحب المال حباً جمّاً منع اليتيم، وترك الحض على المسكين، وأكل التراث لمّاً. فجاء ترتيب النظم من الظاهر إلى الباطن: عرض الأعراض ثلاثاً ثم كشف الداء؛ وهو منهج الطبيب الحاذق. ثم إن هذه الآية تربط المقطع الثالث بالمقطع الأول من السورة؛ فإن الإنسان إنما قال {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ} لأن المال عنده هو الميزان؛ ولن يكون كذلك إلا إذا أحبه حباً جمّاً.