الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ
هذه صفة أخرى لعاد إرم؛ والمعنى: التي لم يُخلق مثلها في البلاد قوةً وبطشاً وعظم أجسام وشدة بأس. وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد نفي المثل في الخلقة والقوة؛ أي لم يخلق الله في زمانهم أمة تماثلهم في هذا الوصف. وقال آخرون: المراد نفي مثل بنيانهم ومدنهم؛ فيكون الضمير عائداً على المدينة أو على القبيلة باعتبار عمرانها. والقول الأول أرجح وأليق بالسياق؛ لأن الحديث عن قوم أُهلكوا مع قوتهم، ولأن القرآن وصفهم في موضع آخر بقولهم: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن نفي المثل مقيد بالبلاد المعروفة عندهم وبزمانهم، لا نفياً مطلقاً في كل عصر ومصر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تتميماً لوصف عاد ورفعاً لدرجة الحجة؛ فبعد أن وُصفوا بأنهم ذوو عماد، نُفي أن يكون لهم نظير؛ فبلغ وصف قوتهم غايته. ثم إن ذكر {الْبِلَادِ} هنا يمهد لتكرار اللفظ نفسه في الآية الحادية عشرة: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ}؛ فارتبط الوصفان: تفوقهم في البلاد، وطغيانهم في البلاد؛ فصار المكان الذي شهد لهم بالتميز هو نفسه المكان الذي شهد عليهم بالفساد. وهذا من دقائق النظم التي تربط أطراف المقطع برباط لفظي ومعنوي معاً.