وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا
وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا
هذه العلامة الثالثة؛ والمعنى: وتأكلون الميراث أكلاً شديداً جامعاً لا تفرقون فيه بين حلال وحرام، ولا تسألون عن وجه ما تأخذون. و«التراث» هو الميراث؛ أُبدلت الواو تاءً. وفسر السلف {أَكْلًا لَّمًّا} بأنه الأكل الشديد الجامع؛ قال جمهور المفسرين: اللمّ الجمع؛ أي يلمون نصيبهم ونصيب غيرهم فيأكلونه جميعاً. وقيل: يأكلون ما جمعه غيرهم دون أن يتعبوا فيه فيسهل عليهم إتلافه. وكان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يرث من طاعن بالرمح وحاز الغنيمة؛ فيأكل الكبار أنصبة الضعفة. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن وصف الأكل باللمّ يفيد اجتماع الشره وعدم التمييز بين المستحق وغير المستحق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من ترك الواجب إلى فعل المحرم؛ فالعلامتان الأوليان تركٌ ــ ترك إكرام اليتيم وترك الحض على الطعام ــ وهذه الثالثة فعل: أخذُ ما ليس بحق. وهذا التدرج يكشف حقيقة نفسية دقيقة: أن من ترك البذل لم يقف عند حد الإمساك، بل انحدر إلى الأخذ؛ فمن لم يعطِ ما عنده طمع فيما عند غيره. ثم إن ذكر التراث بعد ذكر اليتيم له وجه لطيف؛ فإن أكثر ما يُظلم فيه اليتيم هو ميراثه؛ فارتبطت العلامة الثالثة بالأولى ارتباط النتيجة بمقدمتها.