وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ
هذا هو المقسم به الثالث، وأقوال السلف فيه كثيرة متنوعة. فقيل: الشفع الخلق كله لأنه مزدوج ــ ذكر وأنثى، سماء وأرض، ليل ونهار ــ والوتر هو الله سبحانه؛ لأنه الواحد الأحد الذي لا نظير له، ويشهد لهذا الأصل ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»؛ أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقيل: الشفع يوم النحر لأنه العاشر، والوتر يوم عرفة لأنه التاسع؛ وهو قول جماعة من السلف يناسب اتصاله بالليالي العشر قبله. وقيل: الشفع والوتر الصلوات؛ فمنها الشفع كالظهر والعصر، ومنها الوتر كالمغرب. وقيل: الشفع الصفا والمروة، والوتر الكعبة. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن ترك اللفظ على عمومه أولى؛ لأنه يعم كل ما يقع عليه اسم الشفع والوتر، ولم يخصصه الله بشيء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا القسم بعد القسم بالفجر والليالي العشر فارتقى من المحسوس الجزئي إلى الكلي المجرد؛ إذ الفجر مشهد يُرى، والليالي أزمنة تُعد، والشفع والوتر وصفان يستغرقان كل موجود؛ فما من شيء إلا وهو زوج أو فرد. وفي هذا التدرج إحاطة بالمقسم به من كل جهة: زمان خاص، ثم أزمنة فاضلة، ثم الوجود كله بقسمته العقلية. وهذا التدرج يمهد للاستفهام التالي: {هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ}؛ فبعد استيعاب المقسم به لجميع الموجودات يحسن أن يقال: أفي هذا مقنع لذي عقل؟