فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
هذا جزاء ما قدّموا؛ والمعنى: فأنزل عليهم ربك نصيباً من العذاب صبّه عليهم صباً حتى أهلكهم. وقد بيّن القرآن في مواضع أخرى صور هذا العذاب: فعاد أُهلكت بريح صرصر عاتية سخّرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وثمود أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وفرعون أُغرق في اليم هو وجنوده. وفسر أهل التفسير {سَوْطَ عَذَابٍ} بأنه نصيب العذاب وحصته؛ لأن السوط عند العرب آلة الضرب المعروفة، فاستُعير للعقوبة. وقال بعضهم: السوط في اللسان يُستعمل بمعنى الخلط؛ من «ساط الشيء يسوطه» إذا خلطه؛ فيكون المعنى: عذاباً مخلوطاً من ألوان الشدة. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن العرب إذا أرادت المبالغة في شدة الأمر شبّهته بالسوط لما فيه من إيلام متتابع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة سلسلة الأسباب في المقطع: طغيان، ففساد، فعذاب؛ ثلاث آيات متتابعة كل واحدة معطوفة بالفاء؛ فجاء النظم كالحكم القضائي المرتب: وصف الجرم، ثم بيان أثره، ثم إنزال العقوبة. ولم يفصّل نوع العذاب هنا مع تفصيله في سور أخرى؛ لأن المقام مقام إجمال يخدم سرعة الإيقاع في هذه السورة القصيرة الفواصل. ثم إن هذه الآية تمهد للتي بعدها {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}؛ فبعد ذكر الواقعة يأتي تقرير القاعدة؛ فينتقل الكلام من الحادثة الماضية إلى السنة الجارية.