يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي
يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي
هذا بيان لما ينطق به الإنسان حين يتذكر ولا ينفعه التذكر؛ والمعنى: يقول متحسراً نادماً: يا ليتني قدمت من العمل الصالح في دنياي ما ينفعني في حياتي هذه. وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بـ{لِحَيَاتِي} الحياة الآخرة؛ فسمّاها حياةً لأنها الحياة الحقيقية التي لا موت بعدها ولا انقطاع؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. وقال بعضهم: المعنى ليتني قدمت في حياتي الدنيا عملاً. والأول أظهر وأدل على المقصود. وقرر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن التمني هنا واقع في غير موقعه؛ إذ التمني إنما ينفع في زمن الإمكان، وقد انقطع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا القول بعد قوله {يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ} بياناً وتفصيلاً لأثر التذكر؛ فإن التذكر إذا لم يجد سبيلاً إلى العمل انقلب حسرة وتمنياً. وموقع هذه الآية من السورة موقع الرد الأخير على المقطع الثالث كله: فقد كان الإنسان يقول {رَبِّي أَكْرَمَنِ} فرحاً بما ناله من مال، فصار يقول {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ}؛ فتبدل قول بقول، وميزان بميزان. ثم إن اختيار لفظ «قدّمت» يقابل ما كان منه من الجمع والأخذ؛ فقد كان يأكل التراث لمّاً ويجمع المال جمّاً، فتمنى الآن أن لو قدّم بدل أن يجمع.