وَالْفَجْرِ
وَالْفَجْرِ
افتتح الله سبحانه هذه السورة بالقسم بالفجر؛ وهو انصداع عمود الصبح وانبثاق أول ضياء النهار من ظلمة الليل. وللسلف في تعيينه أقوال متقاربة: فذهب جمهور المفسرين إلى أنه الفجر المعروف على إطلاقه في كل يوم، وهو الأظهر لأن اللفظ جاء معرفاً بأل الجنسية فيتناول كل فجر. وقال جماعة: المراد فجر يوم النحر خاصة؛ لأنه خاتمة الليالي العشر المقسم بها بعده، وفيه تُختم أعظم مناسك الحج. وقال آخرون: المراد فجر أول المحرم لأنه فجر السنة، أو فجر أول ذي الحجة لاتصاله بالعشر. وقيل: المراد صلاة الفجر لشرفها ومشهودها. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن حمل اللفظ على إطلاقه أولى ما لم يقم دليل مخصِّص، وأن الأقوال الأخرى ترجع إلى تخصيص بلا مخصِّص ظاهر. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن الأولى ترك الآية على عمومها؛ إذ لم يخصص الله شيئاً من ذلك ببرهان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): افتُتحت السورة بالقسم لا بالخبر؛ لأن المقام مقام تقرير حقيقة يجحدها المخاطبون وهي وقوع المؤاخذة والحساب. والقسم في مثل هذا يشد انتباه السامع ويرفع درجة تلقيه قبل إلقاء الحكم. ثم إن اختيار «الفجر» أول المقسم به ليس اعتباطاً؛ فهو أول مشهد يقع فيه التحول من حال إلى ضدها في اليوم كله؛ وهذا هو المعنى الذي قامت عليه السورة برمتها: أن الليل مهما امتد فله انصداع، وأن دولة الطغيان مهما طالت فلها انكشاف. فالمقسَم به مرآة للمقسَم عليه.