وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
هذه خاتمة السورة، وفيها ردّ مشيئة العبد إلى مشيئة الرب. والمعنى: وما تشاءون الاستقامة ولا غيرها إلا بمشيئة الله رب العالمين؛ فلا يقع منكم شيء خارج عن مشيئته. وذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت لما فهم بعض المشركين من الآية قبلها أن الأمر موكول إليهم استقلالاً، فقالوا: إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم؛ فأنزل الله هذه الآية ردّاً عليهم. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الآية جمعت بين إثبات المشيئة للعبد وردّها إلى مشيئة الله؛ وهو مذهب أهل السنة والجماعة. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الإنسان: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}. وقد ثبت في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ»، فقالوا: أفلا نتكل؟ فقال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»؛ وفيه الجمع بين القدر والعمل كما جمعت الآيتان بين المشيئتين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت السورة بأدق ما في باب القدر؛ فأثبتت للعبد مشيئة حقيقية يُناط بها التكليف في الآية قبلها، ثم ردّت تلك المشيئة إلى مشيئة الخالق التي لا يخرج عنها شيء في هذه الآية؛ فقطعت بذلك طريق الغلو من الجهتين في آيتين متجاورتين. وفي ختم السورة بوصف {رَبُّ الْعَالَمِينَ} مناسبة لأول السورة؛ إذ افتتحت بانتقاض العوالم كلها، فناسب أن تُختم بذكر ربها ومدبرها؛ فالذي يطوي الشمس ويكشط السماء هو الذي إليه ترجع المشيئات. وفيها أيضاً مناسبة لقوله {ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}؛ فمن كان ذكره للعالمين فهو ربهم؛ فتوافق اللفظان في الموضعين.