وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
هذه العلامة الخامسة؛ وهي جمع الوحوش بعد تفرقها. والوحوش: كل ما توحّش من دواب البر ونفر من الإنس فلم يألفهم. والمعنى عند جمهور السلف: جُمعت واختلطت وضُمّ بعضها إلى بعض؛ خلافاً لعادتها في التفرق والتنافر والتوحش. قال ابن عباس رضي الله عنهما: حُشر كل شيء حتى الذباب. وقال قتادة: جُمعت. وذكر أهل التفسير في وقت حشرها وغايته قولين: أحدهما أنه حشر يقع في الدنيا عند اقتراب الساعة من شدة الهول، فتجتمع البهائم وتختلط لِما ينزل بها من الفزع، ثم تموت. والثاني أنه حشر يوم القيامة للقصاص بينها؛ يُقتصّ للجمّاء من القرناء ثم يقال لها كوني تراباً؛ ويستأنس لهذا بما رواه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ». وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «الحشر» في أصل اللغة الجمع والسوق؛ ومنه سمي يوم الحشر لجمع الخلائق فيه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّت بهذه الآية صورة اضطراب الحيوان بعد صورة اضطراب الجماد؛ فذُكر في التي قبلها الحيوان المملوك المهمل، وذُكر هنا الحيوان الوحشي المجموع؛ وبينهما تقابل بديع: تعطيل وإهمال في الأول، وحشر وجمع في الثاني. فالإنسان يترك ما كان يجمعه، والوحش يُجمع بعد أن كان يتفرق؛ فانقلبت العادات كلها. ثم إن في ذكر الوحوش تمهيداً لما بعده من تسجير البحار؛ إذ انتقل من دواب البر إلى ما فيه دواب البحر؛ فاستوفى النظر البرّ والبحر.