عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ
هذا جواب الشرط الذي عُلّقت به الجمل الاثنتا عشرة المتقدمة. والمعنى: إذا وقع كل ذلك علمت كل نفس ما قدّمت من خير أو شر فوجدته حاضراً بين يديها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: علمت ما عملت من خير أو شر. وقال قتادة: علمت كل نفس ما أحضرت من خير أو شر يوم القيامة. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المراد بالإحضار ما تجده مكتوباً في صحيفتها؛ فهو إحضار العمل نفسه أو إحضار جزائه. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة آل عمران: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا}، وقوله في الانفطار: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}؛ فبين الموضعين تكامل: هنا نظر إلى ما بين يديها حاضراً، وهناك نظر إلى مصدره تقديماً وتأخيراً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): من أعجب النظم في هذه السورة أن تُعلَّق النفس باثنتي عشرة جملة شرطية متتابعة ثم يُفرغ الجواب في ثلاث كلمات. وهذا التفاوت بين طول المقدمة وقصر الجواب مقصود؛ فطول التعليق يشد الانتباه ويرفع درجة الترقب، فإذا جاء الجواب قصيراً خاطفاً استقر في القلب استقراراً لا يحصل مع الإطالة؛ كالسهم يُشدّ له القوس طويلاً ثم يُرسل في لحظة. وفيه أيضاً معنى آخر: أن كل تلك الأهوال العظام في السماء والأرض والبحر والجبال ليست هي المقصودة لذاتها، وإنما المقصود ما ينتهي إليه أمر النفس الواحدة؛ فرُدّ الكون كله إلى هذه الكلمة.