وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
في هذه الآية قراءتان متواترتان: قراءة {بِضَنِينٍ} بالضاد من «الضنّ» وهو البخل؛ والمعنى: وما محمد ﷺ ببخيل بما أُوحي إليه من الغيب، فلا يكتم منه شيئاً ولا يمنعه من أراده. وقراءة {بِظَنِينٍ} بالظاء من «الظِّنّة» وهي التهمة؛ والمعنى: وما هو بمتهم فيما يخبر به عن الغيب. وكلتا القراءتين ثابتة عن أئمة القراء؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء، وقرأ الباقون بالضاد. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المعنيين متكاملان لا متعارضان؛ فهو غير بخيل بما عنده وغير متهم فيما يبلّغه؛ فسدّت القراءتان معاً باب الطعن من جهتي الكتمان والكذب. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها إنكارها على من زعم أن النبي ﷺ كتم شيئاً مما أُنزل إليه، وقولها: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد إثبات الرؤية مباشرة؛ وهو ترتيب محكم؛ إذ من رأى فقد صار عنده علم بالغيب، ومن عنده علم فحاله لا تخلو من أمرين: إما أن يبذله وإما أن يمنعه، وإما أن يكون صادقاً فيه وإما أن يكون متهماً. فجاءت الآية على قراءتيها تنفي الاحتمالين معاً: نفت البخل بقراءة الضاد، ونفت التهمة بقراءة الظاء. وهذا من عجيب ما تفيده تعدد القراءات المتواترة من ثراء المعنى بغير تعارض. ثم إنها تمهيد للآية بعدها؛ إذ بعد أن نُفي الطعن في المبلّغ الأرضي نُفي الطعن في مصدر الوحي نفسه: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}.