وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ
وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ
انتقل السياق من توثيق الناقل السماوي إلى تبرئة الناقل الأرضي؛ وهو النبي ﷺ. والمعنى: وما محمد الذي عرفتموه وصاحبتموه وخبرتم عقله ورجاحته بمجنون كما تزعمون. وكان المشركون يرمونه ﷺ بالجنون تارة وبالسحر أخرى وبالشعر ثالثة؛ كما حكى الله عنهم في مواضع: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، وقوله: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ}. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن اختيار لفظ «صاحبكم» مقصود؛ إذ فيه تذكير لهم بطول عشرتهم له ومعرفتهم بحاله. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الرد عليهم جاء بأسلوب النفي المؤكد بالباء الزائدة في الخبر لتشديد النفي. ويشهد لهذا المعنى ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما لما صعد النبي ﷺ الصفا فنادى قريشاً وقال: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قالوا: «نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا»؛ فأقرّوا بصدقه ثم كذبوه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موضع هذه الآية في النظم في غاية الإحكام؛ فبعد أن أُثبت أن مبلّغ القرآن من السماء ملك موصوف بالكمال، بقي أن يُثبت أن المتلقي في الأرض سليم العقل ضابط لما تلقّى. فلو صحّ ما رموه به من الجنون لانتقض التبليغ من طرفه الثاني؛ فجاءت الآية تسد هذا المنفذ. ثم إنها مقدمة لما بعدها من إثبات الرؤية: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ}؛ إذ نفي الجنون يفتح الباب لقبول شهادته بما رأى؛ فمن ثبت عقله قُبل خبره. فالترتيب: توثيق الناقل الأول، ثم توثيق الناقل الثاني، ثم إثبات اتصال أحدهما بالآخر بالمشاهدة.