وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
انتقل السياق من علامات السماء إلى علامات الأرض؛ وأول ما ذُكر منها الجبال؛ وهي أثبت ما على وجه الأرض وأرسخه، وبها ضُرب المثل في الثبات والرسوخ. والمعنى عند أهل التفسير: قُلعت من أماكنها وأُزيلت عن مقارّها فسارت في الجو سير السحاب. وقد جاء بيان أطوارها في مواضع من كتاب الله؛ فذُكر دكّها في قوله: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}، وذُكر سيرها في قوله: {وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا}، وذُكر بسّها في قوله: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا}، وذُكر مصيرها إلى العهن المنفوش في قوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ}، وإلى الهباء المنبثّ في قوله: {فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا}. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذه الأوصاف أطوار متعاقبة لحال واحدة لا أقوال متعارضة؛ فأول أمرها الاقتلاع والتسيير، ثم الاندكاك، ثم صيرورتها كالصوف المندوف، ثم انتهاؤها إلى الغبار المتفرق. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن اختيار «التسيير» هنا دون غيره من الأوصاف لمناسبته السياق؛ إذ المقام مقام تصوير الحركة والاضطراب في كل ثابت.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه العلامة ثالثة بعد الشمس والنجوم؛ فانتقل النظر من العلوّ إلى الأرض في تدرج طبيعي. ووجه اختيار الجبال أنها في حس الإنسان رمز الثبات المطلق؛ فإذا زال ثبات الجبل فما دونه أولى بالزوال. ثم إن في ذكرها استيفاء للمقابلة: فالشمس والنجوم أجرام نيّرة بعيدة، والجبال أجرام مظلمة قريبة؛ فاستوعب الخبر البعيد والقريب، والمضيء والمظلم. وهي تمهيد لما بعدها من تعطيل العشار؛ إذ انتقل من الجماد الراسخ إلى الحيوان النفيس، ومن الأرض إلى ما يُقتنى عليها.