فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ
بهذه الآية يبدأ المقطع الثاني من السورة؛ وهو مقطع القسم على صدق الوحي. و«الخنّس»: جمع «خانس» أو «خانسة»؛ من الخنوس وهو التأخر والاختفاء والرجوع. وقد اختلف السلف في المراد بها على قولين مشهورين: الأول أنها النجوم؛ وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم؛ قال علي رضي الله عنه: هي الكواكب تخنس بالنهار وتظهر بالليل. وخصّ بعضهم الكواكب السيارة الخمسة التي ترجع في مجراها فتخنس عن سيرها. والثاني أنها بقر الوحش والظباء؛ وهو مروي عن ابن مسعود أيضاً وعن ابن عباس في رواية؛ لأنها تخنس أي تنقبض وتختفي في كناسها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية ترجيح القول الأول لموافقته لسياق القسم بالليل والصبح بعده؛ إذ القسم بالأجرام السماوية أنسب لمقام الاحتجاج على مصدر الوحي النازل من السماء. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الوصفين بعده ــ الجواري الكنّس ــ يترجح بهما القول بالنجوم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقلت السورة من مشاهد القيامة إلى الاحتجاج على صدق القرآن؛ وهو انتقال منطقي محكم؛ إذ بعد أن قُرّرت القيامة تقريراً مهولاً يبقى سؤال المكذب: من أين لنا صدق هذا الخبر؟ فجاء المقطع الثاني يقيم الحجة على مصدر الخبر. وقد اختير للقسم أجرام سماوية دقيقة الحركة منتظمة السير؛ لأن المقسم عليه أمر سماوي أيضاً وهو نزول الوحي بواسطة الملك؛ فناسب المقسم به المقسم عليه. وتحوّلت الفاصلة في هذا المقطع من التاء الساكنة القارعة إلى السين الممدودة الهادئة؛ فناسب التحول انتقال المقام من التهويل إلى الاحتجاج.