لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ
لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ
هذه الآية بيان لمن ينتفع بذلك الذكر. والمعنى: هو ذكر لمن أراد منكم أن يسلك الطريق المستقيم ويثبت عليه. قال المفسرون: أي لمن شاء منكم الاستقامة على الحق واتباع الهدى. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن اللام في {لِمَن} بدل من اللام في {لِّلْعَالَمِينَ} بدل بعض من كل؛ فبيّنت أن المنتفع من العالمين هو من شاء الاستقامة. و«الاستقامة» في اللسان: لزوم الطريق المستقيم من غير عوج ولا انحراف؛ ومنه: استقام العود إذا زال عنه الاعوجاج. وقد جاء في السنة بيان جامع لها؛ فروى مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ»، قال: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بدلاً من العموم السابق؛ فبيّنت أن الذكر وإن كان مبذولاً للعالمين فإن ثمرته إنما تحصل لمن أراد. وهذا الترتيب من أدق ما في النظم: عموم في البذل، وتخصيص في الانتفاع، ثم ردّ المشيئة إلى مشيئة الله في الآية الأخيرة. فبنت السورة في ثلاث آيات متتابعة أصلاً كاملاً في باب الهداية والقدر. ثم إن اختيار «الاستقامة» في ختام السورة مقابل «الذهاب» في قوله {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} مقابلة بديعة تربط آخر السورة بأولها في المعنى.