إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
هذا جواب القسم المتقدم. والضمير في {إِنَّهُ} عائد على القرآن؛ وإن لم يجر له ذكر صريح لدلالة السياق عليه ولشهرته في أذهان المخاطبين. والمراد بـ«الرسول الكريم» هنا جبريل عليه السلام عند جمهور المفسرين؛ بدليل ما وُصف به بعده من القوة والمكانة عند ذي العرش والطاعة في الملأ الأعلى والأمانة؛ وهذه أوصاف الملك. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو جبريل. وقال الحسن وقتادة والضحاك مثل ذلك. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن نسبة القول إلى جبريل نسبة تبليغ لا نسبة إنشاء؛ فهو مبلّغ عن الله لا منشئ للكلام؛ ونظيره قوله تعالى في سورة الحاقة: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ}؛ إلا أن المراد هناك عند جمهور المفسرين النبي ﷺ لقرينة السياق، والمراد هنا جبريل لقرينة الأوصاف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب بعد ثلاثة أقسام متتابعة؛ فطالت المقدمة قليلاً ليقع الجواب في نفس مهيأة. وقد صُدّر الجواب بمؤكدين: {إِنَّ} واللام؛ لأن المخاطبين منكرون أشد الإنكار؛ ومقام الإنكار يقتضي توكيد الخبر بحسب قوة الإنكار. ثم إن ابتداء الجواب بإثبات مصدر القرآن هو الأصل الذي تتفرع عنه سائر مسائل المقطع؛ فإذا ثبت أن مبلّغه ملك كريم انهدمت دعوى الشعر والسحر والكهانة والجنون. وهذه الآية هي مفتاح المقطع الثاني كما كانت {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} خاتمة الأول.