وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ
انتقل السياق من الجماد إلى الحيوان؛ وخُصّت العشار بالذكر لأنها كانت أنفس أموال العرب وأعزّها عليهم. والعشار: جمع «عُشَراء»، وهي الناقة الحامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، فهي أقرب ما تكون إلى الوضع وأعظم ما تكون قيمة عند أهلها؛ لأنها تجمع نفاسة الأصل ورجاء النسل ووفرة اللبن. والمعنى عند جمهور السلف: تُركت مهملة لا راعي لها ولا حالب ولا مُقتنٍ يلتفت إليها؛ لاشتغال أهلها بأنفسهم عنها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: تُركت وسُيّبت. وقال مجاهد: تُركت لا راعي لها. وقال الضحاك: أهملها أهلها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أصل «التعطيل» في اللغة الترك والإهمال؛ يقال: عطّل الرجل داره إذا تركها خالية، وعطّلت المرأة جيدها إذا تركته بلا حلي، ومنه «عُطُل» للمرأة لا حلي عليها. وقيل في معنى الآية أيضاً: إن العشار هنا السحاب يُعطّل عن المطر، وقيل: الديار تُخلى؛ والمعتمد عند أهل التفسير هو الأول؛ لأنه المتبادر من اللفظ ولأنه أليق بمقام تصوير انصراف الناس عن أنفس ما يملكون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية موضع لطيف في النظم؛ إذ انتقل من الحوادث الكونية الكبرى ــ شمس ونجوم وجبال ــ إلى مشهد صغير في حجمه عظيم في دلالته: ناقة حامل متروكة بلا راع. ووجه الانتقال أن المقصود ليس مجرد سرد الكوارث، بل تصوير أثرها في النفوس؛ ولا شيء أدل على هول الموقف من أن يترك المرء أنفس ما يملك وأحبّه إليه. وقد خوطبت العرب بما تعرفه من أعزّ أموالها؛ فالخطاب جارٍ على مألوفهم ليقع منهم موقع التصديق. ثم إن هذه الآية تمهيد لما بعدها من حشر الوحوش؛ إذ انتقل من البهيمة المملوكة المهملة إلى البهيمة الوحشية المجموعة؛ فاستوفى صنفي الحيوان.