وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
بهذه الآية يبدأ القسم الثاني من العلامات؛ وهو ما يقع بعد البعث في الدار الآخرة. والمعنى عند جمهور السلف: قُرن كل إنسان بشكله ونظيره في العمل والاعتقاد؛ فيُضمّ الصالح إلى الصالح والفاجر إلى الفاجر. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تفسيرها: يُقرن بين الرجل الصالح مع الصالح في الجنة، ويُقرن بين الرجل السوء مع السوء في النار. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قُرن كل رجل بشيعته؛ اليهودي باليهودي، والنصراني بالنصراني. وقال الحسن: قُرن كل امرئ بعمله. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في سورة الصافات: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ}؛ قال المفسرون: أزواجهم أشباههم ونظراؤهم. وقيل في معنى الآية أيضاً: قُرنت الأرواح بالأجساد بعد مفارقتها؛ وهو قول عكرمة والشعبي. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن القول الأول أظهر وأشهر عند السلف؛ لأنه أليق بسياق مشاهد الجزاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية ينتقل المشهد من الأرض إلى موقف الجزاء؛ فالعلامات الست الأولى كانت في انتقاض الكون، والست التالية في مصير الخلق. ووجه تصدير القسم الثاني بتزويج النفوس أن أول ما يقع بعد الجمع هو الفرز والتصنيف؛ فإذا حُشر الخلق قُرن كل بشكله؛ وهو مقدمة لازمة لسائر ما يذكر بعده: من نشر الصحف وتسعير الجحيم وإزلاف الجنة؛ إذ لا يستقيم توزيع المصائر قبل تصنيف أهلها. وفيه أيضاً مناسبة لِما تقدم في سورة عبس من تقسيم الوجوه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} و{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}؛ فما هناك تصنيف للوجوه وما هنا تصنيف للنفوس.