وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ
وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ
هذه العلامة السادسة، وهي آخر ما يقع من علامات القسم الأول عند جمهور المفسرين. و«التسجير» في أصل اللغة الإيقاد وملء التنور بالحطب حتى يشتعل؛ ومنه «المسجور» للموقد. وقد اختلفت عبارات السلف في تفسيرها على أقوال متقاربة: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أُوقدت فصارت ناراً. وقال مجاهد: أُضرمت ناراً. وقال الحسن: يبست فذهب ماؤها. وقال الضحاك وقتادة: مُلئت وفاضت بأن فُجّر بعضها في بعض فصارت بحراً واحداً. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية وجه الجمع بين هذه الأقوال: أن البحار تُفجَّر أولاً فيختلط عذبها بمالحها فتصير بحراً واحداً، ثم تُوقد فتصير ناراً تضطرم. ويستأنس لمعنى الإيقاد بقوله تعالى في سورة الطور: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}، وبقوله في سورة الانفطار: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}؛ فبيّن الموضعان طرفي المعنى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتم بها القسم الأول من العلامات؛ وهو ما يقع في الدنيا عند انتهاء أجلها. وقد اكتمل بها استيعاب أركان العالم المشاهد: النور العلوي في الشمس والنجوم، والثبات الأرضي في الجبال، والمال المقتنى في العشار، والحيوان المنتشر في الوحوش، والماء الجامع في البحار. فلم يبق من عناصر الكون المألوفة ما لم يشمله الخبر. ووجه ختم القسم الأول بالبحار أنها أشد هذه العناصر مخالفة للنار؛ فإذا انقلب أعظم مصادر الماء ناراً فقد بلغ الانقلاب غايته؛ وهو تمهيد لما بعده من العلامات الأخروية التي تبدأ بتزويج النفوس.