مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
هذان الوصفان الرابع والخامس؛ فـ{مُّطَاعٍ}: أي تطيعه الملائكة في الملأ الأعلى؛ فهو متبوع فيهم لا تابع. قال قتادة: مطاع في السماوات. وذكر المفسرون أن من مظاهر ذلك أنه إذا نزل بالوحي فُتحت له الأبواب وأُطيع أمره. و{ثَمَّ}: اسم إشارة للمكان البعيد بمعنى «هناك»؛ والمراد به عالم الملأ الأعلى. و{أَمِينٍ}: أي مؤتمن على الوحي لا يزيد فيه ولا ينقص ولا يبدّل. قال المفسرون: أمين على ما استُودع من كلام رب العالمين. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن وصف الأمانة هو مناط المقصود في السياق؛ لأن الطعن الذي وجهه المشركون كان في سلامة ما بُلّغ؛ فوُصف الناقل بالأمانة سدّاً لهذا المنفذ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّت بهذه الآية الأوصاف الخمسة؛ وقد رُتّبت ترتيباً بديعاً يبدأ بالوصف الجامع وينتهي بالوصف الذي هو مناط المقصود: الكرم، ثم القوة، ثم المكانة، ثم الطاعة، ثم الأمانة. فالكرم وصف ذاتي جامع، والقوة قدرة على الحمل، والمكانة اصطفاء من المرسِل، والطاعة سلطان في الملأ، والأمانة صيانة للمنقول. ولو تأملت لوجدت الترتيب متدرجاً من العام إلى الخاص، ومن صفة الذات إلى صفة الفعل، ومن ما يُشرّف الناقل إلى ما يوثّق المنقول. وهذا الترتيب هو الذي يفضي مباشرة إلى الآية بعده: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ}؛ إذ بعد توثيق الناقل السماوي يُنتقل إلى توثيق الناقل الأرضي.