وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ
وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ
هذا القسم الثالث؛ والمعنى: والصبح إذا امتد ضوؤه وانتشر وأقبل وأضاء. قال الضحاك: إذا انشق. وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا ارتفع النهار. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أصل «التنفس» خروج النَّفَس؛ فاستُعير لامتداد ضوء الصبح شيئاً فشيئاً؛ كما يمتد نفس المتنفس. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن هذه من أبدع الاستعارات في القرآن؛ إذ صُوّر انبثاق النور من الأفق بصورة الكائن الحي يتنفس بعد كتم؛ ففيها تصوير للحياة تدب في الكون بعد سكون الليل. ونظير هذا الاستعمال قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ}، وقوله: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية استيفاء أطراف القسم؛ فقد أقسم بالنجوم في ظهورها وخفائها، ثم بالليل في تحوّله، ثم بالصبح في انبثاقه؛ فاستوعب القسم دورة الزمن كاملة. ووجه ختمه بالصبح أن المقسم عليه نور؛ فناسب أن يكون آخر المقسم به نوراً؛ فتنتهي المقدمة عند الضوء ويبتدئ الجواب بذكر الوحي. وفي هذا الترتيب رسالة خفية للمخاطبين: أن الظلمة التي أنتم فيها من الجهل والتكذيب زائلة كما يزول الليل، وأن هذا القرآن صبح متنفس لا يحجبه إنكار المنكرين.