بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ
بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ
هذه الآية بيان لمقول السؤال الذي أُجمل في التي قبلها؛ أي: تُسأل الموءودة فيقال لها: بأي ذنب قُتلت؟ فيكون الجواب المسكِت أن لا ذنب لها؛ إذ لم يبلغها التكليف ولم تجن جناية ولم تقترف ما يوجب قتلاً. قال المفسرون: وفي هذا من التوبيخ لقاتلها ما لا مزيد عليه؛ لأنها تُسأل وهو يسمع، فلا تجد ذنباً تذكره فيتحقق ظلمه بشهادة الواقع. وذهب بعض أهل التفسير إلى أن السائل هو الله سبحانه، وقال آخرون: تسألها الملائكة بأمره. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن قوماً حملوا السؤال على أنه موجّه إلى الوائد بلفظ الغائب عنها، والمعنى واحد في المآل؛ إذ المقصود إقامة الحجة على القاتل. وقد جاء في السنة ما يبين قبح هذا الفعل وعظم إثمه؛ فروى البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر فيما حرّم الله «وَأْدَ الْبَنَاتِ» مقروناً بعقوق الأمهات ومنع وهات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): فُصلت هذه الجملة عن التي قبلها وجُعلت آية مستقلة مع أنها متممة لها في المعنى؛ وفي هذا الفصل حكمة نظمية بالغة: فهو يوقف السامع عند السؤال وقفة مستقلة، ويجعل لكل من الفعل ومقوله وقعاً منفرداً في الأذن. ثم إن استقلالها بالفاصلة {قُتِلَتْ} أبقاها على نسق المقطع كله في الروي والإيقاع؛ فاندرجت في السلسلة دون أن تنكسر وتيرتها. وموقعها بين مشهد الاستجواب ومشهد نشر الصحف مناسب؛ إذ السؤال مقدمة، والصحف هي الوثيقة التي يُرجع إليها؛ فبعد أن أُقيمت الحجة بالشهادة تُعرض الحجة بالكتاب.