وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ
وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ
الموءودة: البنت التي كانت تُدفن حية في الجاهلية. وكانت العرب تئد بناتها خشية العار أو خوف الفقر؛ وقد نعى الله عليهم ذلك في مواضع، منها قوله في سورة النحل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ}، ومنها نهيه عن قتل الأولاد خشية الإملاق. والمعنى: إذا سُئلت هذه المقتولة ظلماً عن ذنبها الذي قُتلت من أجله. وقد قرأ الجمهور {سُئِلَتْ} بالبناء للمجهول، وقرئ في غير المشهور {سَأَلَتْ} بالبناء للفاعل؛ أي طالبت بدمها؛ والمعنيان متلازمان؛ إذ سؤالها عن ذنبها مطالبة بحقها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أصل «الوأد» الثقل؛ ومنه «التُّؤَدة» للرزانة، و«الوئيد» للصوت الثقيل؛ لأنهم كانوا يثقلون التراب عليها. وثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ نهى عن «وَأْدِ الْبَنَاتِ»؛ وذلك في سياق ما حرّم الله من العقوق ومنع وهات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موضع هذه الآية من السورة من أدق مواضع النظم القرآني؛ إذ جاءت بين ذكر تزويج النفوس وذكر نشر الصحف؛ فبعد أن قُرن كل بشكله شُرع في استيفاء المظالم قبل عرض الصحف. ووجه تخصيص الموءودة بالذكر من بين سائر المظالم أنها أشد صور الظلم فظاعة؛ إذ اجتمع فيها قتل النفس، وقطع الرحم، وظلم من لا يقدر على دفع ولا على استغاثة، ووقوع ذلك من الأب الذي هو موضع الرحمة. فذكرها في هذا السياق الجليل من أبلغ ما يقرر عدل الله. وهي مناسبة أيضاً لما ختمت به سورة عبس من قوله: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}؛ فجاءت التكوير تسأل عن أشنع صور ذلك الكفر العملي.