الْجَوَارِ الْكُنَّسِ
الْجَوَارِ الْكُنَّسِ
هذان وصفان ثانٍ وثالث للمقسم به. فـ«الجوار»: جمع «جارية»؛ أي السائرة الجارية في أفلاكها لا تقف ولا تتخلف. و«الكنّس»: جمع «كانس» أو «كانسة»؛ من الكنوس وهو دخول الظبي والبقرة كناسها، أي مغيبها الذي تستتر فيه. والمعنى على القول بأنها النجوم: أنها تجري في مجاريها ثم تكنس أي تستتر تحت ضوء النهار أو تغيب في مغاربها كما يدخل الظبي كناسه. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسيرها: هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل؛ أي تختفي في وقت وتظهر في وقت. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هي النجوم الخمسة السيارة. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «الكناس» في كلام العرب بيت الظبي الذي يستتر فيه من الحر؛ فاستُعير للموضع الذي تغيب فيه النجوم. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن اجتماع الأوصاف الثلاثة يفيد تصوير حركة دقيقة منتظمة فيها ظهور واختفاء وجريان مستمر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): أُفردت هذه الأوصاف بآية مستقلة مع أنها تابعة لما قبلها؛ لتُبقي على وحدة الفاصلة ولتُعطي كل وصف حقه من الوقوف عليه. وقد رُتّبت الأوصاف الثلاثة ترتيباً محكماً: الخنوس وهو الرجوع والتأخر، ثم الجريان وهو السير المتصل، ثم الكنوس وهو الاستتار في المغيب؛ فرسمت مجتمعة دورة كاملة لحركة الجرم: ظهور، فسير، فاختفاء. وهذا الوصف الدقيق للحركة يهيئ للمقسم عليه؛ إذ سيقال بعد قليل إن هذا القرآن قول رسول كريم؛ فكما أن حركة النجوم منضبطة بتقدير لا يختل، فكذلك نزول الوحي منضبط بأمر لا يتبدل.