وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
المراد بالصحف هنا صحف الأعمال التي كتبتها الحفظة على العباد. والمعنى: إذا نُشرت هذه الصحف بعد طيّها وفُتحت لتُقرأ ويُجازى أصحابها بما فيها. قال قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تُملى فيها ثم تُطوى ثم تُنشر عليك يوم القيامة، فلينظر امرؤ ما يُملي في صحيفته. وقرأ الجمهور {نُشِرَتْ} بتخفيف الشين، وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما {نُشِّرَتْ} بالتشديد؛ والتشديد يفيد التكثير باعتبار كثرة الصحف وتعدد أصحابها. وأصل النشر ضد الطي؛ يقال: نشر الثوب إذا بسطه بعد طيّه. وقد بيّن القرآن في مواضع أخرى ما يقع لهذه الصحف؛ كقوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ}، وقوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن نشر الصحف يكون بعد الحشر وقبل الميزان؛ فهو المقدمة العملية للحساب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد سؤال الموءودة مباشرة؛ وترتيبها في غاية الإحكام: فبعد أن أُقيمت الحجة بالشهادة الحية جاء دور الحجة المدوّنة. ثم إنها ممهدة لجواب الشرط الآتي: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ}؛ إذ لا يتحقق علم النفس بما أحضرت إلا بعد نشر ما كُتب عليها. وهذه الآية أيضاً موضع الصلة بين هذه السورة وسورة الانفطار بعدها؛ فقد ذكرت التكوير نشر الصحف ولم تذكر كاتبها، وذكرت الانفطار الكاتب: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ}؛ فكانت الثانية بياناً لأصل ما نُشر في الأولى.