وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ
وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ
هذه العلامة الثانية؛ وهي انتقاض النجوم بعد انتقاض الشمس. وقد فسر السلف «الانكدار» بمعنيين متلازمين: الأول تناثرها وتساقطها؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: تناثرت؛ وقال الربيع بن خثيم: انقضّت. والثاني تغير لونها وذهاب ضوئها؛ قال قتادة وغيره: تغيرت وذهب نورها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أصل «الانكدار» في اللغة الانصباب؛ يقال: انكدر الطائر إذا انقضّ منصبّاً على الشيء، وانكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالاً متتابعين؛ وأن معنى «الكُدرة» ضد الصفاء، فمن أخذ بالأصل الأول قال: تناثرت وتساقطت، ومن أخذ بالثاني قال: تكدّر ضوؤها فذهب صفاؤه. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المعنيين يجتمعان؛ إذ النجم إذا انقضّ ذهب ضوؤه وتكدّر أثره. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الانفطار: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ}؛ فبيّن اللفظُ في تلك السورة ما أُجمل هنا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت النجوم عقب الشمس في ترتيب طبيعي محكم؛ فالشمس أعظم مصادر الضوء المشاهد بالنهار، والنجوم زينة الليل وعلاماته التي يُهتدى بها في البر والبحر. فلما ذُكر انطفاء ضوء النهار أُتبع بانطفاء ضوء الليل؛ ليستوعب الخبر الزمانين ويستوفي مصادر الاستضاءة كلها؛ فلا يبقى في الكون نور يُهتدى به. وفي هذا الترتيب أيضاً إبطال لما كانت العرب وغيرهم يعلّقونه على النجوم من التأثير والتدبير؛ فالنجم الذي كان يُنسب إليه المطر والحوادث ينقضّ بنفسه لا يملك لها دفعاً. وهو تمهيد لما يأتي في الآية الثالثة من تسيير الجبال؛ إذ انتقل النظر من السماء إلى الأرض بعد استيفاء ما في السماء.