ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
هذان وصفان آخران لجبريل عليه السلام. فـ{ذِي قُوَّةٍ}: صاحب قوة عظيمة في خلقه وفي تنفيذ ما أُمر به. قال المفسرون: ومن مظاهر قوته أنه رفع مدائن قوم لوط ثم قلبها، وأنه نزل بالوحي في أسرع من لمح البصر، وأنه صعق بصيحته من صعق من الأمم. ونظير هذا الوصف قوله تعالى في سورة النجم: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ}. و{عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}: أي ذو منزلة رفيعة ومكانة عالية عند الله رب العرش. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن «المكين» ذو المكانة؛ من المكانة وهي المنزلة والجاه؛ وأن المراد قربه من ربه قرب تشريف ومنزلة لا قرب مسافة. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وحديث ابن مسعود رضي الله عنه في وصف رؤية النبي ﷺ لجبريل على صورته التي خُلق عليها له ستمائة جناح قد سدّ الأفق؛ وفي ذلك بيان لعظم خلقه وقوته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الأوصاف مرتبة على نسق محكم؛ فبعد الوصف الجامع بالكرم ذُكرت القوة؛ لأن حامل الوحي يحتاج إلى قوة تمكّنه من حمله وتبليغه وحفظه من المتعرضين له. ثم ذُكرت المكانة عند ذي العرش؛ لأن القوة وحدها لا تكفي في تصديق الناقل حتى تُضاف إليها المنزلة عند المرسِل؛ إذ المنزلة دليل على الاصطفاء لهذه المهمة. وقُدّم الظرف {عِندَ ذِي الْعَرْشِ} على {مَكِينٍ}؛ لأن موضع الشرف هو المكان الذي عنده المكانة؛ فقُدّم ما هو موضع الاهتمام. وهذا كله تمهيد للوصفين الأخيرين في الآية بعدها.