إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
افتتحت السورة بأول علامات انتقاض النظام الكوني؛ وهي ذهاب الشمس التي بها قوام الضياء والدفء والحياة على وجه الأرض. وقد اختلفت عبارات السلف في تفسير «التكوير» على معانٍ متقاربة يجمعها أصل واحد؛ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: أظلمت وذهب ضوؤها، وروي عنه أيضاً: غُوّرت. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال مجاهد: اضمحلّت وذهبت. وقال الربيع بن خثيم: كُوّرت أي رُمي بها. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أصل التكوير في كلام العرب جمع الشيء بعضه إلى بعض ولفّه، ومنه تكوير العمامة على الرأس؛ فمعنى تكوير الشمس أن يُلفّ بعض ضوئها على بعض حتى يذهب انبساطه وتنطفئ، ثم تُرمى. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذه الأقوال لا تعارض بينها؛ إذ ذهاب الضوء لازم للفّ الجرم، والرمي به نتيجة انتقاض نظامه. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه في شأن الشمس وسجودها تحت العرش واستئذانها في الطلوع، وأنه يقال لها ارجعي من حيث جئت؛ وفيه إشعار بأن جريانها إنما هو بأمر ينقطع بانقطاعه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى مقام تقرير القيامة أن يُبدأ بأعظم ما تألفه العين وأثبت ما تعتمد عليه الحياة؛ فالشمس هي أظهر الآيات للحس البشري وأدومها على النظر، وهي التي عبدها قوم من دون الله واتخذها آخرون مقياساً للزمن ومداراً للحياة. فلما كان الخبر عن يوم لا يُشاهَد كان أوقع البراهين أن يُبدأ بانتقاض أظهر المشاهدات. ثم إن هذا الافتتاح هو أول حلقة في سلسلة من اثنتي عشرة جملة شرطية متعاقبة لا يتخللها فاصل ولا استئناف؛ فأُريد بها تعليق النفس وشدّ انتباهها إلى الجواب الذي يأتي بعد طول انتظار. وفي تقديم الشمس على النجوم والجبال مراعاة للترتيب في العظمة والأثر؛ إذ النجوم تابعة لها في باب الإضاءة، والجبال إنما تُرى بضوئها.