فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
هذا استفهام يفيد التوبيخ والتبكيت والتحيير؛ جاء بعد استيفاء الحجج كلها. والمعنى: فأي طريق تسلكون بعد هذا البيان، وأين تذهبون عن هذا القرآن وقد وضح لكم أنه من عند الله. قال المفسرون: هو كقول القائل لمن قامت عليه الحجة وأخذ يروغ: أين تذهب؟ وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن معناها: فأي طريق تسلكون في تكذيبكم بهذا القرآن وقد ظهرت الأدلة على أنه من عند الله. وقال قتادة: أي فأين تذهبون عن كتاب الله وعن طاعته. وذكر بعض أهل التفسير أن الاستفهام هنا مضمَّن معنى الإنكار على من ترك الطريق الواضح وسلك المتاهات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع النتيجة من المقدمات؛ فقد سيقت قبلها الحجج في نسق متصل: قسم بالآيات الكونية، ثم إثبات مصدر القرآن، ثم توثيق الملَك بخمسة أوصاف، ثم تبرئة النبي ﷺ من ثلاث تهم؛ فلما استوفت الحجج مبلغها جاء التبكيت. وقد قُدّمت الفاء لتربط النتيجة بمقدماتها ربطاً محكماً؛ فليس التوبيخ ابتدائياً بل مبنياً على بيان سابق. وهي أيضاً تمهيد لما بعدها؛ إذ بعد أن أُنكر عليهم الذهاب بُيّن لهم الطريق: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}.