وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
المعنى: ولقد رأى محمد ﷺ جبريل عليه السلام بالأفق الظاهر البيّن. وهذا هو قول جمهور المفسرين؛ فالضمير في {رَآهُ} للنبي ﷺ فاعلاً، والهاء لجبريل مفعولاً. وقد ثبتت رؤية النبي ﷺ لجبريل على صورته التي خُلق عليها مرتين؛ كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان لما سُئلت عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ}، فقالت: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ». وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح. والمراد بـ«الأفق المبين» جهة المشرق حيث تطلع الشمس عند جمهور المفسرين؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو مطلع الشمس. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذه الرؤية كانت في أول الأمر بأجياد بأعلى مكة، وأن ذكرها هنا لتقرير صحة الاتصال بين المتلقي والمبلّغ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي الحلقة الواصلة بين الطرفين اللذين وُثّقا قبلها؛ فقد وُثّق الملَك بخمسة أوصاف، ووُثّق النبي ﷺ بنفي الجنون؛ فبقي أن يُثبت اتصال أحدهما بالآخر اتصال مشاهدة لا اتصال توهّم. ولهذا جاءت بصيغة التوكيد الثلاثي: الواو واللام و«قد»؛ لأن المقام مقام إنكار شديد. وفي ذكر الأفق المبين قطع لدعوى الالتباس؛ إذ لو كانت الرؤية في ظلمة أو على بعد أو في حال إغفاء لأمكن دعوى الوهم؛ فوصف الأفق بالإبانة نفي لكل ذلك. وهي تمهيد لما بعدها من نفي الضنّ بالغيب؛ إذ من رأى فقد علم، ومن علم فإما أن يبذل أو يمنع؛ فجاءت الآية بعدها تنفي المنع.