ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
هذا ختام السورة؛ والمعنى: ثم إن علينا وحدنا محاسبتهم على أعمالهم ومجازاتهم بها. و«الحساب» عند أهل اللغة: إحصاء الشيء وعدّه؛ ومنه «حسب المال» إذا عدّه؛ فسُمي عرض الأعمال على العبد وجزاؤه عليها حساباً لأنه إحصاء دقيق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة. ونظير هذا الختام في المعنى قوله تعالى في سورة الرعد: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}؛ فقُسّم الأمر قسمين: قسم على الرسول وهو البلاغ، وقسم على الله وهو الحساب. وأشار السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية إلى أن فيها ما يوجب للعبد الاستعداد؛ إذ الحساب واقع لا محالة، والمحاسب هو الله الذي لا يخفى عليه شيء. وقد ثبت في دقة الحساب ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية تُختم السورة ختاماً محكماً يجمع أطرافها؛ فقد بُدئت بالسؤال عن حديث الغاشية، ثم عُرض فيها مصير الفريقين، ثم أُقيمت الأدلة على القدرة، ثم بُيّنت وظيفة الرسول، ثم خُتمت بأن الأمر كله راجع إلى الله: إليه المرجع وعليه الحساب. وفي هذا الختام تقرير للبنية كلها؛ إذ لولا الحساب لما كان للمشهدين معنى، ولما كان للأدلة ثمرة، ولما كان للتذكير فائدة. ثم إن الفصل بين الجملتين بـ{ثُمَّ} مع تكرار {إِنَّ} يجعل كل واحدة مستقلة بالتوكيد؛ فيستقر المعنيان في النفس على حدة.