قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ
قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ
يأتي الجواب إقراراً كاملاً لا مواربة فيه: {قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة الملك، أن المعنى: قال الملقَون في جهنم مجيبين خزنتها: بلى قد جاءنا من الله نذير ينذرنا هذا اليوم فكذبناه، وقلنا له: ما أنزل الله عليك ولا على غيرك من شيء، إن أنتم إلا في ذهاب عن الحق بعيد. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أنهم اعترفوا بأنه قد جاءهم النذير فكذبوه وخالفوه وضلّلوه، وأنهم قالوا للرسل: ما نزّل الله من شيء، أي: ما أوحى الله بشيء أصلاً. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قولهم {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} حكايةٌ لما كانوا يقولونه للرسل في الدنيا، لا خطاباً منهم للخزنة في النار؛ لأن مقامهم في النار مقام ذلٍّ لا مقام تكذيب. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أنهم جمعوا بين ثلاث موبقات: تكذيب النذير، وإنكار أصل الوحي، ورمي أهل الحق بالضلال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي الجواب المطابق للسؤال في الآية قبلها، فتمّ بها ركنا الحوار. ولها اتصال بعيد المدى بخاتمة السورة؛ فإنهم قالوا هنا للرسل: {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ}، فجاء في الآية التاسعة والعشرين ردٌّ عليهم بلفظهم: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}؛ فرُدّت عليهم دعواهم بعينها مع تفويض الحكم فيها إلى العليم. وهذا التلاقي بين آيةٍ في أول السورة وآيةٍ في آخرها من أدق ما يُلحظ في نظمها. ثم إن قولهم {مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} هو أصل الداء الذي عالجته السورة كلها؛ فإنها ساقت البراهين الكونية لتثبت أن من أحكم هذا الخلق لا يتركه بلا بيان.