وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ
وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ
يمضي اعترافهم إلى تحديد موضع الخلل فيهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة الملك، أن المعنى: لو كنا نسمع ما جاءتنا به الرسل سماع من يتفهم ويتدبر، أو نعقل عن الله حججه، ما كنا من أهل النار. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أنهم قالوا: لو كنا ننتفع بعقولنا أو نسمع ما أنزل الله، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله؛ فذمّوا أنفسهم على تعطيل آلتي الهداية. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن المنفي ليس أصل السمع والعقل؛ فإنهم كانوا يسمعون بآذانهم ويعقلون أمر معاشهم، وإنما المنفي السمع النافع والعقل الرشيد؛ وهذا كقوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة الملك، إلى أن الجمع بين السمع والعقل استيعابٌ لطريقي تحصيل العلم: طريق الخبر الصادق، وطريق النظر الصحيح؛ فمن عطّلهما لم يبق له باب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا القول الثاني تفصيلاً لسبب ما أجملوه في الآية قبلها؛ فقد أقرّوا هناك بالتكذيب، وبيّنوا هنا علّته: تعطيل السمع والعقل. وموقع هذه الآية من السورة بالغ الأهمية؛ فإنها المفتاح الذي تُقرأ به الآية الثالثة والعشرون: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ}. فما اشتكوا من فقده في النار هو عين ما امتنّ الله عليهم به في الدنيا؛ فالحسرة إذن ليست على آلة لم تُمنَح، بل على آلة مُنحت فعُطّلت. وهذا من أدق وجوه النظم في السورة؛ إذ وزّع المعنى الواحد بين موضعين: شكوى في المقطع الثاني، وامتنانٌ في المقطع الخامس.