هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
ينتقل السياق من الغيب إلى نعمة مبسوطة تحت الأقدام: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}. نقل ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الخامسة عشرة من سورة الملك، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي أن {مَنَاكِبِهَا} أطرافها وفجاجها ونواحيها؛ وذكر عن ابن عباس وقتادة قولاً آخر أنها الجبال، وأورد أن أبا الدرداء ﵁ سُئل عنها فقال: هي الجبال. وبيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {ذَلُولًا} معناه: مذلَّلة موطّأة لكم لا تمتنع عليكم، تمشون فيها وتحفرونها وتبنون عليها. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الأمر في {فَامْشُوا} أمر إباحة وامتنان، لا أمر إيجاب؛ والمقصود التذكير بالنعمة والحضّ على السعي في طلب الرزق. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن ختم الآية بـ{وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} تنبيهٌ على أن هذا السعي في الأرض ليس غايةً بذاته، بل هو مرحلةٌ ينتهي إليها المصير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية بعد تقرير إحاطة العلم لتقرر إحاطة الفضل؛ فبعد أن عُلم أن الله مطّلع على السرائر، ذُكّر العباد بأنه مع ذلك يبسط لهم الأرض ويسوق إليهم الرزق. وموقعها من السورة موقع المفصل؛ فقد كان الحديث قبلها في السماء وما فيها من مصابيح وطباق، فنزل بالنظر من الأعلى إلى الأدنى، من سقف الكون إلى بساطه. وهي أيضاً مقدمة ضرورية للآية التالية؛ فإنه لما ذكّرهم بأن الأرض ذلول لهم، أعقبه بأن هذه الأرض المذللة قادرٌ على أن يخسفها بهم: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}؛ فتقابل الامتنان والتهديد في مادة واحدة، وهذا من أدق ما في نظم السورة.