أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ
أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ
يُستكمل التخويف من الجهة الأخرى: {أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من سورة الملك، أن {حَاصِبًا} هي الريح التي ترمي بالحصباء، أي: بالحصى الصغار؛ كما فعل بقوم لوط. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أأمنتم أن يرسل عليكم ريحاً فيها حصباء كما أرسلها على قوم لوط، {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} أي: كيف إنذاري إذا عاينتم العذاب. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {نَذِيرِ} أصلها "نذيري" بياء المتكلم، فحُذفت الياء واكتُفي بالكسرة دلالةً عليها، وهو من مواضع رعاية الفواصل في القرآن. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة عشرة، إلى أن {أَمْ} هنا منقطعة بمعنى "بل" مع همزة الاستفهام؛ فهي إضرابٌ انتقالي من تهديد إلى تهديد، لا استفهام عن معادل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتُكمل إحاطة التهديد؛ فقد ذُكر في الآية قبلها العذاب من تحت بالخسف، وذُكر هنا العذاب من فوق بالحاصب. وهذا التقسيم مطابق لما جاء في آية أخرى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}؛ فلم يبق للهارب جهة يهرب إليها. ثم إن الآيتين معاً تمهيدان للآية الثامنة عشرة التي تنقل الكلام من التهديد المستقبل إلى الشاهد الماضي: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}؛ فبعد أن خوّفهم بما يمكن أن يقع، دلّهم على أنه قد وقع بأمثالهم فعلاً؛ والتهديد المؤيَّد بسابقةٍ واقعة أشد من التهديد المجرد.