الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
بعد تقرير الملك يأتي بيان الغاية من الخلق: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة الملك، أن المعنى: خلق الموت والحياة ليختبركم أيكم أطوع لله وأعمل بطاعته؛ وروى عن قتادة قوله: أذلّ الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء. ونقل ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، عن الفُضيل بن عياض في قوله {أَحْسَنُ عَمَلًا}: أخلصه وأصوبه؛ قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وبيّن البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن الموت قُدّم لأنه أقرب إلى القهر وأدعى إلى الاتعاظ. وذكر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير أوائل سورة الملك، أن الله جعل هذه الدار داراً يبتلي بها عباده ثم ينقلهم منها، وأن ختم الآية بـ{الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} جمعٌ بين ما يوجب الخوف وما يوجب الرجاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): لما تقرر في الآية الأولى أن الملك بيده والقدرة عامة، تعيّن أن يُبيَّن أن هذا الملك قائم على حكمة لا على عبث؛ فجاءت هذه الآية تكشف الغاية. ثم إن ذكر الموت هنا تمهيدٌ لكل ما يأتي في السورة من ذكر النشور والحشر والجزاء؛ فالموت المذكور في الآية الثانية هو الذي يُفضي إلى {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} في الآية الخامسة عشرة، وإلى {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} في الرابعة والعشرين. وموقع {الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} في الختام موقعُ التهيئة لما بعده؛ إذ سيُذكر بعدُ عذابُ السعير للكافرين ومغفرةٌ وأجر كبير للخاشين، فكان الاسمان عنواناً لهذين المآلين.