إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ
يبدأ تفصيل العذاب المجمل بمشهد سمعي مروّع: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة الملك، أن {شَهِيقًا} هو الصوت المنكر الشديد كصوت الحمار في أوله، وأن {تَفُورُ} معناه: تغلي بهم كما يغلي المِرجَل بما فيه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: سمعوا لها صوتاً فظيعاً منكراً، وهي تغلي بهم كما يغلي القدر بما فيه. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن من أهل التأويل من جعل الشهيق صوت النار نفسها، ومنهم من جعله صوت الملقَين فيها؛ ورجّح الأول لعود الضمير في {لَهَا} إليها. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة من سورة الملك، إلى أن بناء الفعل للمجهول في {أُلْقُوا} مقصودٌ لتصوير إهانتهم؛ فهم لا يدخلونها بأقدامهم بل يُقذفون فيها قذفاً كما يُقذف الحطب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال البيان بالمجمل؛ فقد قيل: {عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، فسأل السامع في نفسه: وما شأن هذا المصير؟ فجاء الجواب بمشهد متدرج يخاطب الحواس واحدةً بعد أخرى: السمع في {سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا}، ثم البصر في {وَهِيَ تَفُورُ}، ثم إدراك النفس في {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ}. وترتيب هذه المدركات بالغ الدقة؛ فإن الملقَى في مكان مظلم يسمع قبل أن يرى، ثم يرى، ثم يدرك حال ما حوله. وهذا المشهد كله تمهيدٌ ضروري للحوار الآتي في الآية الثامنة؛ إذ لا يُتصور سؤالٌ وجواب إلا بعد إثبات الإدراك والاستقرار في الدار.