تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تفتتح السورة بلفظ لا يُطلق في القرآن إلا على الله: {تَبَارَكَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الملك، أن معناه: تعاظم وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين؛ وأن {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} أي: بيده سلطان كل شيء ونفاذ الأمر فيه، لا يملك أحد معه شيئاً. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع السورة، أنه يخبر تعالى عن عظمة نفسه وأنه بيده الملك، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه. وصدّر ابن كثير تفسير السورة بحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: «إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}»؛ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم من طريق شعبة عن قتادة عن عباس الجُشَمي عن أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {تَبَارَكَ} فعل ماضٍ جامد لا يتصرف ولا يستعمل إلا لله وحده، وأنه مأخوذ من البركة وهي الكثرة والدوام والنماء؛ فالمعنى: دام خيره وكثر وثبت. ونبّه ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الملك، على أن صيغة "تفاعل" هنا للمبالغة في الوصف لا للمشاركة، وأن الإخبار عنه بالموصول {الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} تعريفٌ له بأخصّ ما يُنازَع فيه؛ إذ كانت قريش تنازعه ﷻ في التصرف وتزعم لأصنامها نصيباً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء المطلع تقريراً للأصل الذي تُبنى عليه السورة كلها؛ فالسورة من أولها إلى آخرها انتزاعٌ للتصرف من كل من ادُّعي له، وردٌّ له إلى مالكه. وقد اتصل هذا المطلع بخاتمة سورة التحريم اتصال المقرِّر بالممهِّد؛ فقد ضُربت هناك أمثال بامرأتي نوح ولوط تحت نبيين فما أغنيا عنهما، وبامرأة فرعون تحت أعظم ملوك الأرض فما ضرها ملكه؛ فأعقب ذلك بتقرير أن الملك النافع الحقيقي بيد واحد. ثم إن قوله {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تمهيدٌ لازم لما يأتي بعده من ذكر خلق الموت والحياة، وخلق السموات السبع، ثم البعث والنشور؛ فإن إثبات عموم القدرة هو مفتاح كل ما تنكره قريش من إعادة الخلق.