إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
ينقلب السياق من الوعيد إلى الوعد: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة الملك، أن معنى {بِالْغَيْبِ}: يخافون ربهم ولم يروه، فيتقونه في السر كما يتقونه في العلانية؛ ولهم على ذلك سترٌ لذنوبهم وثوابٌ عظيم. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: يخافون الله ولم يروه ويخشونه حيث لا يراهم أحد إلا الله، فيتورعون عن المعاصي في الخلوات. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الخشية أخصّ من الخوف؛ فإنها خوفٌ مقرون بتعظيم وعلم بالمخشيّ، ولذلك خُصّ بها العلماء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. وذكر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، أن الجمع بين المغفرة والأجر الكبير جمعٌ بين دفع المكروه وتحصيل المحبوب؛ فلا يبقى للعبد مطلب وراءهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية على أدق ما يكون من المقابلة لما قبلها؛ فالمكذبون أقرّوا في العلانية حين لا ينفع الإقرار، والمؤمنون يخشون في السر حين ينفع الخشوع؛ وأولئك جزاؤهم {فَسُحْقًا} وهو البعد، وهؤلاء جزاؤهم {مَّغْفِرَةٌ} وهي القرب والستر. وفي هذا التقابل بيانٌ لمنهج القرآن في قرن الترهيب بالترغيب لئلا ينفرد أحدهما بالقلب. ثم إن ذكر {بِالْغَيْبِ} هنا تمهيدٌ مباشر للآية التالية {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}؛ فإن الذي يخشى ربه بالغيب إنما يخشاه لعلمه أن السر عنده كالعلن، فجاءت الآية بعدها تقرر هذا الأصل صريحاً.