قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
يُعلن الموقف الإيماني في مقابل موقفهم: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة والعشرين من سورة الملك، أن المعنى: قل لهم يا محمد: ربنا الذي ندعوكم إلى عبادته هو الرحمن، آمنا به وحده وعليه اعتمدنا في أمورنا كلها، فستعلمون عن قريب أينا في ذهاب عن الحق مبين، أنحن أم أنتم؟ وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا إخبارٌ منهم بأنهم آمنوا بالرحمن وتوكلوا عليه، ثم تهديدٌ لهم بأن العاقبة ستكشف أيّ الفريقين على ضلال. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن تقديم {وَعَلَيْهِ} على {تَوَكَّلْنَا} يفيد الاختصاص؛ أي: عليه لا على غيره اعتمدنا. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة والعشرين، إلى أن {فَسَتَعْلَمُونَ} وعيدٌ بصيغة الإخبار، وأن السين فيه للتحقيق مع إفادة قرب الوقوع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية جواب مؤجَّل لما حكاه الله عنهم في الآية التاسعة؛ فقد قالوا للرسل: {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ}، فجاء الرد هنا: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}. والمسافة بين الموضعين عشرون آية، ومع ذلك فالربط بينهما محكم باللفظ والمعنى معاً؛ وهذا من أظهر ما يدل على أن السورة بناء واحد لا آيات متجاورة. ثم إن ورود اسم {الرَّحْمَٰنُ} هنا هو الرابع في السورة بعد وروده في الآيات الثالثة والتاسعة عشرة والعشرين؛ فختم الإعلان الإيماني بالاسم الذي أنكروه أشدّ الإنكار. ثم إن الآية مهّدت لخاتمة السورة؛ فبعد إعلان التوكل على الرحمن جاء التحدي بالماء الذي هو من أظهر آثار رحمته.