أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ
يعود السياق من التخويف إلى برهانٍ يُرى فوق الرؤوس كل يوم: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة من سورة الملك، أن {صَافَّاتٍ} معناه: باسطات أجنحتهن في الهواء، و{وَيَقْبِضْنَ} أي: يضممن أجنحتهن بعد البسط؛ وأنه لا يمسكهن في الجو أن يسقطن إلا الرحمن بقدرته. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أولم يروا إلى الطير مسخّرات في الهواء يبسطن أجنحتهن ويقبضنها، ما يمسكهن إلا الله بما جعل في خلقتهن من القدرة على ذلك. وأوضح الزمخشري في "الكشاف"، عند تفسير هذه الآية، وجه العدول عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في {وَيَقْبِضْنَ}: وهو أن الأصل في طيرانهن البسط، والقبض طارئ عارض؛ فعُبّر عن الأصل الثابت باسم الفاعل الدال على الثبوت، وعن العارض المتجدد بالفعل الدال على التجدد. وتابعه ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة، وزاد أن في ذلك تصويراً لحركة الطائر المتناوبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السياق موقعٌ بديع؛ فقد سبقها تهديدان: خسفٌ من تحت وحاصبٌ من فوق، ثم شاهدٌ من التاريخ على وقوع النكير. فلما بلغ الترهيب غايته، رُفع بصر المخاطب إلى مشهد لطيف أمين: طيرٌ معلَّقة في الجو لا يمسكها إلا الرحمن. وفي هذا الانتقال معنيان: الأول أن الجهة التي خُوّفوا منها هي بعينها الجهة التي فيها هذه الرحمة الظاهرة؛ فالسماء التي منها الحاصب هي التي فيها الطير الآمن. والثاني تلطيفٌ لروع السامع بعد شدة التخويف، وهو منهج قرآني في مزج الترهيب بالترغيب. ثم إن ذكر الإمساك هنا تمهيدٌ لما بعده من نفي الناصر والرازق؛ فمن أمسك الطير في الهواء هو الذي بيده النصر والرزق.