أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
يُضرب لهم مثلٌ في الهيئة بعد وصفهم بالعتوّ: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية والعشرين من سورة الملك، أن هذا مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر؛ فالكافر كالذي يمشي منكوساً على وجهه لا يدري أين يتوجه، والمؤمن كالذي يمشي مستوي القامة على طريق واضح. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا مثلٌ للمؤمن والكافر في الدنيا، وأنه واقعٌ لهم في الآخرة حقيقةً؛ واستشهد بما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ}، أيُحشر الكافر على وجهه؟ فقال رسول الله ﷺ: «أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الاستفهام هنا للتقرير والإلزام؛ إذ الجواب معلوم بالبداهة لا يحتاج إلى نظر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية نتيجةً لما قبلها؛ فقد وُصفوا باللجاج والعتوّ والنفور، وهذه أوصافٌ باطنة، فضُربت لها صورة ظاهرة تُرى بالعين. وهي أيضاً مفتتح المقطع الأخير من السورة، وهو مقطع المقابلة والامتنان والمواجهة. ثم إن ذكر السمع والأبصار والأفئدة في الآية التالية مرتبط بهذا المثل ارتباطاً وثيقاً؛ فإن المكبّ على وجهه لا يبصر طريقه ولا يسمع من ينبّهه، والمستوي القامة يرى ما بين يديه ويسمع ما حوله. فالآية الثانية والعشرون صورة، والثالثة والعشرون بيان لأدوات الإدراك التي عُطّلت أو استُعملت.