ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ
يشتد التحدي فيُطلب تكرار النظر: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة من سورة الملك، أن المعنى: ثم عاود النظر مرة بعد مرة، {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا} أي: صاغراً ذليلاً لم يُدرك ما طلب، {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي: كليلٌ منقطع قد أعيا من كثرة التردد. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن {خَاسِئًا} بمعنى: ذليلاً عن أن يرى نقصاً، و{حَسِيرٌ} أي: قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرار فلم يرَ نقصاً. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، عن أهل اللغة أن {كَرَّتَيْنِ} تثنيةٌ أريد بها التكثير لا حقيقة العدد، كما يقال: لبّيك وسعديك؛ أي رجعةً بعد رجعة بلا انتهاء. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة، إلى أن الإتيان بـ{ثُمَّ} هنا للتراخي الرتبي لا الزمني؛ لأن الرجعة الثانية أبلغ في التحدي من الأولى، فناسبها حرف التراخي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تتمة للتحدي المفتتح في التي قبلها؛ فإنه أمر أولاً برجعة واحدة، ثم أمر هنا بتكرارها، ثم أخبر بالنتيجة الحتمية. وترتيب النظم دقيق: دعوى (لا تفاوت)، فتحدٍّ (فارجع البصر)، فتكرار التحدي (ثم ارجع كرتين)، فإعلان النتيجة قبل وقوعها (ينقلب إليك البصر خاسئاً). وهذا الإخبار المسبق بنتيجة الاختبار من أقوى أساليب الاحتجاج؛ لأن المتحدي لا يجزم بالنتيجة قبل التجربة إلا وهو واثق من دعواه. ثم لما تقرر عجز البصر عن أن يجد عيباً، انتقل في الآية بعدها إلى ذكر ما يجده البصر فعلاً من الزينة والجمال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}؛ فنُقل النظر من طلب العيب إلى تأمل الحسن.